كتاب اليوم


دروس ثورة العشرين

وليد الزبيدي

8
دروس ثورة العشرين

17-07-2012 03:38 PM


لأكثر من سبب يستذكر العراقيون ثورة العشرين هذه الأيام، تلك الثورة التي انطلقت ضد الاحتلال البريطاني قبل تسعة عقود، ومن أهم دواعي استذكار هذه الثورة أنها قد أفضت إلى طرد الغزاة البريطانيين وإعترافهم بحق العراقيين في تأسيس دولتهم وحصل ذلك عام 1921، لتبدأ أولى خطوات دولة العراق الحديثة،
ولتكون بعد ذلك من أوائل الدول العربية التي تحصل على الاستقلال عام 1932، في حين بقيت دول عربية أخرى تحت الانتداب البريطاني حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي، وفي وقت مبكرتأسس جيش عراقي ومؤسسة أمنية، وفي عشرينيات القرن الماضي وضع العراقيون اللبنات الاولى للدستور، ما يعني الشروع ببناء دولة مدنية.

ويذكر التاريخ شخصيات عراقية لها بصماتها في تأسيس الدولة، من بينهم رجل الدولة اليهودي ساسون حسقيل العقل المالي والاقتصادي الكبير، الذي مازالت المؤسسة المالية العراقية تطبق الكثير مما وضعه في المجال المالي من قوانين وأنظمة، وهناك أسماء لشخصيات عراقية كثيرة ساهمت في بناء الدولة، كما عبرت شخصيات عن مواقف وطنية، ولهذا يردد العراقيون أن عبد المحسن السعدون قد انتحر لانه سمع كلمة جرحته (عام 1929) واستقال صالح جبر لأن الجماهير هتفت ضده، ويقارن العراقيون بين هؤلاء وأولئك، وفي تلك السنوات كان الساسة يتفاخرون بثوار العشرين الذين أرغموا البريطانيين على الاعتراف بالإرادة العراقية، وأدرك السياسيون أن الفعل المقاوم كما حصل في ثورة العشرين له أهدافه الوطنية السامية،وهذا ما اختلفوا به عن سياسيين آخرين الذين وقفوا بالضد من المقاومين الذين وجدوا في إحتلال بلدهم من الغزاة الأمريكيين جريمة بشعة وجب التصدي لهم وتخليص العراق من شرورهم.
وبينما شرع رجال الدولة العراقية الوليدة، التي بدأت تحبو توا في بناء مؤسسات وطنية فقد إنهالت معاول الحكام منذ زمن بول بريمر عام 2003 بعد الغزو مباشرة لتحطيم الدولة وتخريب مؤسساتها الرصينة، في حملة لا يمكن وصفها إلا بالانتقامية والثأرية وبطرق متعددة وبكل وسائل التدمير، وإذا انتحر رئيس الوزراء انذاك لأنه سمع كلمة جارحة فان حكام اليوم يسمعون ما لم يسمعه حاكم على مر التاريخ، من عموم الناس، وحتى من شركائهم في الحكومة، دون أن يعيروا أهمية تذكر لكل ما يسمعون، وحرص الساسة الذين تفاخروا بثوار العشرين على تقديم الخدمات والمحافظة على المال العام واحترام حقوق الانسان، أما الساسة الذين وقفوا بالضد من المقاومة والمقاومين وسلطوا عليهم قواتهم المدججة بالسلاح وأجهزتهم الأمنية وساموهم أنواع التعذيب، هؤلاء سجلوا أرقاما فلكية لا شبيه لها في التاريخ في سرقة المال العام وتبديد ثروات البلد.
في قراءة مهمة أخرى لذكرى ثورة العشرين، لابد من التوقف عند حقيقة تقول، أن الاجيال تعيش على تاريخ الأجداد، وهذا ما سطره ثوار العشرين، فقد هبت الجموع من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أبعد قرية في الغرب بالعراق والتحموا جميعا في تصديهم للمحتلين الغزاة، فكانت المعارك الشرسة التي خاضها الثوار بأسلحة بسيطة وبدائية في حين ردت قوات الاحتلال البريطانية بقصف المدنيين بالطائرات وبالمدافع والقنابل، ولم يؤثر كل ذلك على معنويات الثوار،فواصلوا قتالهم حتى هزيمة تلك القوات وتلقينها الدروس الكبيرة، وعندما عاد البريطانيون عام 2003 تحت مظلة أقوى دولة في العالم تمركزت قواتهم في مدن جنوب العراق، وسرعان ما استذكر الأحفاد بطولات الأجداد ثوار العشرين فتصدوا لهم رغم المعوقات الكبيرة وهزموهم وأرغموهم على الهروب من العراق وهم في حال من الاذلال الشديد كما اعترفوا بذلك بأنفسهم.
ولم تغب صور الثوار الأبطال في ثورة العشرين عن المقاومين، الذين قرروا منذ الساعات الأولى للاحتلال الأمريكي، الشروع في مقاومة الغزاة وطردهم من أرض الرافدين، ولم تغادر الأذهان تلك اللحمة العراقية التي أعطت دروسها قبل تسعة عقود عن الأذهان، فكان القتال ضد الغزاة المحتلين والحرص الشديد على وضع الأولوية لوحدة العراق أرضا وشعبا.
وبعد الانتصار في ثورتين عظيمتين ضد احتلالين خطيرين، فإن الدرس الأهم لمن يفكر بغزو هذا البلد، أن شباب ونساء ورجال العراق الآن أكثر زهوا وفخرا بمنجزهم الحالي والسابق في طردهم للغزاة، وأنه سيعطي زخما أكبر للأجيال القادمة.
*****

المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر أحرار العراق

Bookmark and Share

 
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع احرار العراق بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع احرار العراق علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
عدد التعليقات : 0
لا يوجد تعليقات


اضافة تعليق :
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :